سيد محمد طنطاوي
134
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم بين - سبحانه - هذه الكلمة العادلة المستقيمة التي هي محل اتفاق بين الأنبياء فقال : * ( أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّه ) * أي نترك نحن وأنتم عبادة غير اللَّه ، بأن نفرده وحده بالعبادة والطاعة والإذعان . * ( ولا نُشْرِكَ بِه شَيْئاً ) * أي ولا نشرك معه أحدا في العبادة والخضوع ، بأن نقول : فلان إله ، أو فلان ابن إله ، أو أن اللَّه ثالث ثلاثة . * ( ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّه ) * أي ولا يطيع بعضنا بعضا في معصية اللَّه . قال الآلوسي : ويؤيده ما أخرجه الترمذي وحسنه من حديث عدى بن حاتم أنه لما نزلت هذه الآية قال : ما كنا نعبدهم يا رسول اللَّه . فقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « أما كانوا يحلون منكم ويحرمون فتأخذون بقولهم ؟ قال : نعم . فقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هو ذاك » . قيل وإلى هذا أشار - سبحانه - بقوله : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّه والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِله إِلَّا هُوَ « 1 » . فالآية الكريمة قد نهت الناس جميعا عن عبادة غير اللَّه ، وعن أن يشرك معه في الألوهية أحد من بشر أو حجر أو غير ذلك ، وعن أن يتخذ أحد من البشر في مقام الرب - عز وجل - بأن يتبع في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلله اللَّه أو حرمه . ولقد كانت رسالة الأنبياء جميعا متفقة في دعوة الناس إلى عبادة اللَّه وحده ، وقد حكى القرآن في كثير من الآيات هذا المعنى ومن ذلك قوله - تعالى - : ولَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّه واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ « 2 » . وقوله - تعالى - : وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْه أَنَّه لا إِله إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ « 3 » . ثم أرشد اللَّه - تعالى - المؤمنين إلى ما يجب عليهم أن يقولوه إذا ما لج الجاحدون في طغيانهم فقال : * ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) * . أي فإن أعرض هؤلاء الكفار عن دعوة الحق ، وانصرفوا عن موافقتكم بسبب ما هم عليه من عناد وجحود فلا تجادلوهم ولا تحاجوهم ، بل قولوا لهم : اشهدوا : بأنا مسلمون مذعنون لكلمة الحق ، بخلافكم أنتم فقد رضيتم بما أنتم فيه من باطل . قال صاحب الكشاف وقوله * ( فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) * أي لزمتكم الحجة فوجب
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي 3 ص 193 ( 2 ) سورة النحل الآية 36 . ( 3 ) سورة الأنبياء الآية 25